أزمة الخطاب في القضية الفلسطينية
أرجو
قراءة المدونة السابقة: الأزمة
الفلسطينية، أم أزمة العرب؟ أولًا، حيث برهنت على سردية أن فلسطين أرض عربية
خالصة وما تتعرض له منذ تأسس المنظمة الصهيونية العالمية عام 1897 م هو استعمار،
ودي طبعًا نقطة تأسيسية للمدونة دي.
في تقديري
المتواضع، فيه مشاكل حاصلة بقالها مدة طويلة في خطابنا الموجه للعالم فيما يخص
القضية دي، لما قررت أكتب فكرتي بخصوص هذا الشأن، لاقيت في نفس الوقت - سبحان الله
- محمد السعدني (قناة انهيار الحضارة على الـYouTube) عامل حلقة مهمة، تقريبًا بتدور في نفس
الفلك والحقيقة إنه أشار لنقطتين محوريتين (مبدئيًا ده رابط الحلقة):
1)
فيه فرق بين الاستعمار
الاسيتطاني والاستعمار الإمبريالي أو الاحتلال، الأول بيبقى هدف المستعمر هو
القضاء على السكان الأصليين عشان يحل محلهم زي استعمار الأوروبيين عمومًا والإنجليز
خصوصًا لبلاد العالم الجديد (أمريكا وأستراليا ونيوزلاندا) وزي الاستعمار الفرنسي
ما كان بيحاول يعمل ده في الجزائر، في حين إن التاني بيبقى هدفه استغلال موارد
البلاد إللي بيحتلها مش أكتر، يعني مش بيبقى له هدف القضاء على السكان الأصليين
ولا حاجة، زي احتلال الإنجليز لمصر أو الأمريكان للعراق مثلًا. طبعًا مفهوم من
السياق أيهما أخطر وأشرس كونه مسألة وجود وبقاء بالنسبة للمستعمر نفسه، ومفهوم
برضه من السياق إحنا بنتعامل مع أنهي نوع في فلسطين حاليًا، وإحنا في القرن الواحد والعشرين، المفروض إن ممارسة الاستيطان دي انقرضت، زيها زي العبودية كده.
2)
الواحد في حالة صدمة بقاله فترة
من تعامل الغرب مع الملف ده وتصنيف حماس كمنظمة إرهابية، أي ازدواجية معايير هذه؟ بس
لما فكرت فيها لاقيت مثلًا إن الجيش الجمهوري الأيرلندي IRA (جيش غير نظامي للي ما سمعش
عنه قبل كده) كان مُصنَف على إنه منظمة إرهابية، ولكن وبالفرجة على حلقة السعدني اكتشفت كمان إن الموضوع أقرب ما يكون لـpattern وإن حركات المقاومة المسلحة لطالما تم
تصنيفها على إنها إرهابية من قبل إعلام المستعمر والمتعاطفين معه، لما بقى بتنجح
في الوصول لأهدافها، بيُعاد تصنيفها كحركات مقاومة حتى في أدبيات المستعمر نفسه
بعد كده، فمفيش جديد، إحنا كده ماشيين زي ما الكتاب ما بيقول مش أكتر.
طيب أيه
مشاكل خطابنا العربي تجاه العالم في القضية دي؟ أول مشكلة تتلخص في الصعبانيات،
التركيز شبه الأوحد على صلف ووحشية الكيان في التعامل مع الفلسطنيين، تصدير
الرسالة دي حصرًا دون غيرها وبالكثافة دي أعطى إيحاء للمتلقي - ومنهم عرب من
الأجيال الجديدة بالمناسبة - إننا بنتعامل مع كيانين شرعيين ندًا لند، وعليه يصح
يكون فيه أصول للصراع ما بينهم، زي كده الوضع بين روسيا وأوكرانيا النهاردة أو
العراق والكويت أمس، وشتان بين التصور ده والواقع الحاصل في فلسطين، الواقع إننا
بنتكلم عن مستعمر أجنبي تمامًا لأرض من حق شعبها العربي يدافع عن نفسه وأرضه بكل ما أُتى
من طرق سلمية وغير سلمية، الطرق غير
السلمية دي ممكن يبادر بها الشعب المُستعمَر وساعتها لا يجوز إننا نقول ما هم إللي بدأوا،
بدأوا بأيه تحديدًا؟ هى مش دولة بتبادر بالاعتداء على دولة تانية فنلوم عليها
ونقول هى إللي بدأت لما التانية ترد عليها، لأ، تاني، ده شعب بيدافع عن أرضه ضد مستعمر،
مش المطلوب إنه ياخد الإذن بده. دي كانت يصح تكون الرسالة إللي نفضل مركزين عليها طول الوقت،
ده الأساس، نقل وحشية المستعمر للعالم شيء مهم برضه ولكنه ثانوي جنب الرسالة
الرئيسية المُشار إليها، أصل فرضنا إن الكيان صحي الصبح وبقى عنده ضمير وشيء من
الرأفة وبطل جرايم الحرب بتاعته إللي بنشوفها كل يوم دي، بالرسالة المُتبناة
حاليًا يبقى خلاص ما لناش حق نعترض ما هم بقوا كويسين أهم، لكن طبعًا ده هزل، المستعمر
يظله مستعمر ووجب مقاومته حتى الجلاء، وعليه، الشعار إللي كان لازم يترفع قبل أي
شيء في القضية دي هو الشعار المصري المعروف: "الاستقلال التام أو الموت الزؤام"،
الشعار ده كان عبقري بالمناسبة، بيقول للعالم ببساطة إننا بنتعامل مع استعمار وبمنتهى
الوضوح إننا حنفضل نقاومه بشتى الطرق بخاصة غير السلمية منها، وأي حد صعبان عليه الصهاينة، يتفضل يمنحهم قطعة من بلده يقيموا عليها دولتهم مفيش مشكلة، لكن من الأخر دي مش مشكلتنا إحنا.
أكرر،
توثيق الجرائم مطلوب، ولكن التركيز على هذا الأمر حصرًا دون غيره خلى الناس تقولنا:
"حبوا بعض يا جماعة عشان تعيشوا في سلام مع بعض"، ده كان انحراف خطير عن
المسار وصل بنا لمنحدر زلق، كتير من الشعوب العربية النهاردة بقت متبنية نفس
المنظور وبتلوم على حماس في الأحداث الأخيرة حيث إنها إللي بدأت، يعني تخيل لما
انحراف المسار يضرب عقيدة أبناء جلدتك شخصيًا، يتفضل أيه؟ الموضوع ده لازم معالجته
في أسرع وقت من قبل إعلام المقاومة.
المشكلة
التانية في خطابنا، في الأول، العرب اتعاملوا بشكل صحيح مع الاستعمار ده، إنها أرض
عربية مستعمرة من قِبل أجانب، قضية قومية صريحة وبسيطة في وضوحها، مع الوقت، كنا
من الغباء بمكان إننا حذونا حذو الصهاينة في تعاملهم مع القضية على إنها قضية
دينية، فبقت قضية المسلمين ضد اليهود، في خطوة كانت غبية جدًا منا الحقيقة، ليه؟
أولًا - ودي بيت القصيد - لإن الأرض، ومن
ثم الدولة الحديثة، تُعرف في القانون الدولي الحديث بقومية سكانها المحليين وليس
بديانتهم، ثانيًا لإن وجود السكان الأصليين في فلسطين أقدم بكتير من وجود الإسلام في فلسطين،
ثالثُا لإننا لو حنقيسها بمدى قدسية الأرض دي في كلٍ من الديانات السماوية الثلاث،
فاليهودية تكسب، دي فعلًا أرض المعاد لشعب الله المختار في كتبهم المقدسة ومملكتهم
- الدينية بالأساس - كانت فيها في يوم من الأيام (أحيل القارئ للمدونة السابقة: الأزمة
الفلسطينية، أم أزمة العرب؟ للاستزادة في هذا الشأن)، في حين إنها مجرد أرض
مباركة في المسيحيية لإن عاش فيها المسيح وفيها كنيسة القيامة إللي قام فيها،
ومجرد أرض مباركة في الإسلام لإن فيها المسجد الأقصى أولى القبلتين، فالقضية خسرت
كتير لما قلبناها من قومية لدينية وده إللي بيحاول يبينه واحد زي دكتور يوسف زيدان
في كتير من ندواته وحلقات البرامج إللي بيظهر فيها بس الناس بتزعل منه، لأ، الرجل
كلامه سليم وليس هكذا تُدار مثل هذه الأمور، ده كان فخ خطير وقعنا فيه، جزء كبير
من دافعه هو المظلومية إللي بيحب يعيش فيها المسلمين دايمًا بإن كل إللي بيحصلهم
هو كرهًا فيهم هم كمسلمين من قبل العالم أجمع، مع إننا لو بصينا على المشهد بحيادية حنلاقي إن الصهاينة هنا عايزين
يخلصوا من كل ما هو غير يهودي – مسلم بقى ولا غير مسلم - وحتى من كل ما هو يهودي
مختلف معهم.
التوجهين دول ما أكسبوناش تعاطف العالم، بالعكس، حطونا في ركن مش عارفين نخرج منه النهاردة:
إنتوا مش مساكين وغلابة؟ بتقاوموا بعنف ليه بقى؟ دي عمايل برضه مساكين وغلابة؟ مساكين وغلابة يبقى يتلملكم كام مليون دولار مساعدة إنسانية من كام دولة في العالم مع كل أزمة وبوسوا إيدكم وش وضهر على كده، لأ
يا خوانا، نقطة نظام كده عشان نعيد ترتيب الأوراق، إحنا مش مساكين ولا غلابة، إحنا
أصحاب حق، وأصحاب الحق لهم كل الحق في النضال والكفاح للاتيان بحقهم في النهاية،
شاء من شاء وأبى من أبى، وأظن إننا جربنا محاولة كسب تعاطف العالم واسترضائه، كان ده
وصلنا لأيه؟ للا شيء، يبقى نرجع لطريق المقاومة الحقة برأس مرفوعة برسالة واضحة يسمعها
كل العالم، ومصيرنا نوصل في يوم من الأيام لمبتغانا كما وصل غيرنا.
Comments
Post a Comment