أزمة أفيون الشعوب


لفهم أي سلوك إنساني..إنت محتاج تفهم الاحتياجات إللي خلت أحدهم ينحو السلوك ده عشان يشبعها..تفهم دوافعه ومحفزاته..العملية دي بتاخد وقت للاسف..بحث علمي طويل من الملاحظات والتحليل واختبار النتائج..فعادة الناس بتروح للسكة الأسهل..إصباغ صفات الجهل وانعدام الوعي على الجمهور..وطبعًا الأداة السحرية لده نظرية المؤامرة..أصلهم قاصدين يجهلوا الشعب..أصلهم قاصدين يلهوا الشعب وجو بص العصفورة والكلام ده..إللي هم مين دول؟ هل متصَور مثلًا إن فيه حاكم بيصحى الصبح كده يجتمع بحكومته ويقعدوا يتباحثوا إزاي حيجهلوا الشعب ويلهوه النهاردة؟ يعني ناخد الشعب المصري كمثال..وبعد ما قام به السيسي من وأد للحياة السياسية ولأي صوت مختلف من أول ما مسك في منتصف 2014..هل الشعب المصري مستني حد يلهيه عن حاجة؟ لو ما تمش إلهائه يعني حيصحى الصبح مع نفسه كده حيدغدغ الدنيا؟ ده تصور مش صحيح لسبب بسيط..مفيش شعوب بتتحرك كده مع نفسها من غير نخبة تقودها وتوجهها..والنخبة كلها في المعتقلات فخلاص..القصة خلصت لحد هنا..لا فيه ضرورة للإلهاء ولا لغيره.

 

المهم رجوعًا لمرجوعنا..فيه جمل كليشيهية كده بيطلع بعضهم علينا متشدقين بها من عينة: الدين أفيون الشعوب..الكرة أفيون الشعوب..الفن أفيون الشعوب..طيب مبدئيًا كده..فيه أصناف تانية من المخدرات غير الأفيون إنتوا ماسكين فيه ليه يا خوانا؟ ثانيًا..دي تصورات برضه مش متعمقة أوي..مع احترامنا للأخ ماركس..ومع احترامنا لغيره من الملحدين واللا دينيين وكارهي كرة القدم كلعبة وللمتدينين رافضي الفنون ولفاقدي القدرة على تذوق الفنون..الفكرة هنا مش إلهاء أو أفيون..الفكرة إن الأديان والرياضات بخاصة كرة القدم والفنون بيجمعهم حاجة واحدة..إنهم بيشبعوا حاجة إنسانية معينة..الحاجة دي هى الأمل في غد أفضل..ببساطة شديدة.

 

الأديان؟ وطبيعي..دي الوعاء الحامل للقيم..إللي لو تحققت حتبقى جنة الله على أرضه..فالتصور بإن الأديان "بتنيم" الناس وبتدعوهم للصبر على الظلم فده مش صحيح..ما هو مش معنى إن شيوخ السلاطين وكنائس الملوك اتوجدت..إن إللي بيقولوه ده هو الدين..لو أخدنا الإسلام كمثال..فسيدنا علي بن أبي طالب قال: "عجبت لمن لم يجد قوت يومه ولم يخرج شاهرًا سيفه"..ما قالش بقى الفقراء لهم الجنة دون حساب والكلام ده..وكل دين لو دورت فيه حتلاقيه قايل نفس الكلام تقريبًا..إعلاءً لقيمة العدالة الاجتماعية..كون بقى شيوخ السلاطين وكنائس الملوك قالت للناس الفقر حلو وبسمسم والناس مشيت وراهم فدي مش مشكلة الدين خالص الحقيقة..ثم ما إسماعيل ياسين كان عامل مونولوج لطيف ظريف عنوانه اللهم افقرني..وأهو ربنا استجاب والله يرحمه مات على الحديدة عشان يبقى يبسط جمال عبد الناصر بالنصب ده..إللي مش مصدق فده المونولوج..المؤكد إن الأخ ماركس ما إطلعش على كل الأديان..هو بس كان متأثر بمسكنة اليهود وقتها في أوروبا وجو الـghettos..وبسلطة الكنيسة وكونها سيف الملوك على رقاب العباد..ده مثلًا رأي واحد زي دكتور يوسف زيدان وهو محق.

 

أما عن كرة القدم..فالأمر لخصه تميم البرغوثي في إلقاء نثري بديع الحقيقة تقدروا تسمعوه من هنا..هو بيقولك أيه..وده طبعًا الكلام محطوط عليه الـtouch بتاعي..إن كرة القدم دي..أو الرياضات عمومًا..تشترك مع المعارك الحربية في كونهم الاتنين عبارة عن منافسة..أو عركة بالبلدي..أه ما كائنات الذكور دي التستوستيرون واكل دماغها طول الوقت والطاقة دي لازم تطلع في حاجة..فأه عنصر المنافسة مشترك..ولكن الفرق بينها وبين المعارك الحربية حاجتين:..أولًا إن الخسارة لا تعني الفقد إلى الأبد والكمد..أيه أقصى حاجة ممكن تحصل في ماتش يعني؟ شوية عرق نزلوا من اللعيبة..لكن ما سالتش الدماء..ما اتبترش الأطراف..ما اتفقعتش العيون..ما اتيمتش الأطفال وما ثكلتش الأمهات..من الأخر..خسارة يمكن للنفس البشرية أن تتحملها دون أن تتغير للأبد..ثانيًا دي معركة شريفة عادلة..إنت معاك 11 لاعب..وأنا كمان..إنت عندك حارس مرمى..وأنا كمان..إنت لك نص الملعب..وأنا ليا النص التاني..وهى كرة واحدة إللي بنجري وراها..والرك على الشطارة..مش جيوش بتحارب بسيوف وإللي قصادها بيضربها بمدافع..وياما حصلت في التاريخ..فلما تكسب..حقولك حلال عليك بنفس صافية..مش حيبقى فيه إحساس بالانكسار والتنكيل بيا وبكرامتي كإنسان من إللي بيحصل كويلات للحرب..ماتش عبارة عن ساعتين..بيعيش فيهم البني أدم في عالم موازي من المساواة والعدالة..مش حيلهوه عن عالمه الحقيقي المليان بالظلم بالتأكيد..ده تصور مش صحيح..بس هم ساعتين بيدوله أمل إن العالم الموازي ده ممكن يكون يومه العادي بكرة..بعده..بعد سنة..بعد عقد..بعد قرن..لو ما عاشهوش هو..حيعيشه ولاده..ولاد ولاده..أو البشرية من بعدهم..وعشان كده الناس بيجن جنونها لما تحس بسنة عدم عدل في قرار من قرارات الحكم..إزاي يتجرأ ويلوث العالم النقي ده بالعدالة؟ ذنب غير مغتفر..يمكن أكبر من ذنب الظالم نفسه في عالمهم الحقيقي..لإنه ببساطة..سرق منهم الأمل.

 

وأخيرًا الفنون..دي مش بتقدم عالم موازي واحد..بل عوالم..عوالم حيث اللا ممكن ممكن..أبطال خارقين..شخصيات رومانسية مخلصة حتى نهاية العمر..ناس دمها خفيف طول الوقت..موسيقى تحرك الوجدان..أدب كلماته تأخذك لأناس لتكون فرد منهم كإنك ولدت وسطهم..عوالم جميلة بتقولنا إن دي ممكن تكون عالمنا غدًا..قريب أو بعيد.

 

دي الحاجة الإنسانية إللي اجتمعت الأديان والرياضات والفنون على تلبيتها..الحاجة إلى الأمل في غد أفضل..والأمل ده هو محفز البشر للعمل على صناعة غد أفضل بالفعل..والحقيقة إنهم لحد دلوقت ناجحين في توجيه البشر..أيوة الإنسان بيتقدم ومضارعه أفضل من ماضيه بكتير ولو مدينا الخط على استقامته..فمستقبله المفروض حيبقى أحسن من مضارعه إن شاء الله.

 

ده لا ينفي إن للدين رجال أفسدوا الدين على البشر..وإن الرياضة كثيرًا ما تكون تجارة رخيصة..وإن الفنون كتير منها مبتذل..بس الحدية دي المتمثلة في ثقافة الـcancellation أكثر سخافة بإنك تقول عشان ده بيحصل نقوم نلغي كل حاجة على إطلاقها كده..ده عبث.

 

 


Comments

Popular posts from this blog

أزمة قضايا الرأي العام

أزمة الجدل في وطننا العربي