أزمة الثورة والإصلاح

إللي يتأمل تجربة ثورة 25 يناير..الثورة الحقيقية الوحيدة إللي شهدتها مصر عبر العصر الحديث..يخرج من التجربة دي بشوية دروس مستفادة مهمة.

أول الدروس دي إن قيام الثورات لازمله طليعة ثورية تقود الجماهير في حراك واسع يسبقه إرهاصات طويلة من تحركات..نقدر نقول على الضيق..ولكن..مفيش ثورة بتحصل كده مرة واحدة دي حاجة ومفيش شعب بيصحى الصبح يتحرك مع نفسه كده دي حاجة تانية..وعشان كده ما بفهمش أبدًا منطق الإخوة الفلسطينيين اليومين دول إللي مستنيين تضامن ومظاهرات ضاغطة على الأنظمة من الشعوب العربية مع الوضع الراهن في ظل عقد ثقيل مر من وقت الربيع العربي..حيث انهزمت جميع ثوراته وانتهى أي مظهر من مظاهر المعارضة في البلاد دي من بعد كده..يعني الأولى كانت الشعوب دي تتحرك لنفسها قبل ما تتحرك لفلسطين..إما وإن ده ما حصلش على الرغم من تدهور أوضاع البلاد دي تدهور تام..يبقى أكيد مفيش حاجة حتحصل لا لفلسطين ولا غيرها والشعوب لا تُلام على هذا هنا.

تاني درس إن الثورة غير ممكنة مع وجود ديكتاتوريات قوية وحصينة..الثورة مش حتقوم غير في ظل ديكتاتورية ضعيفة أو ديكتاتورية كانت قوية ووهنت..زي نظام مبارك كده..الراجل جه على أخر أيامه وكانت البلد ترهلت تمامًا من ناحية وكان خلاص ساب إيده لابنه من ناحية تانية والأخير ما كانش ماسك أي حاجة بصفة رسمية تؤهله يبقى ديكتاتور قوي..ده لو كان في نيته يكون ديكتاتور أصلًا.

تالت درٍس وده الأهم..غالبًا الثورة مش حل..ده الدرس القاسي إللي تعلمه كان تمنه غالي..أصل المشكلة حتبقى في السؤال: وأين البديل؟ الواقع بيقول دايمًا في الحالات دي إن مفيش بديل..ما هو بالمنطق..البديل حيبقى حاضر إزاي وإحنا دولة ديكتاتورية ممنوع فيها المعارضة وممارسة المنافسة السياسية بشكل طبيعي؟ ناخد مصر كمثال..بعد قيام ثورة 25 يناير إتضح إن البديل الوحيد إللي كان حاضر هو تنظيم جماعة الإخوان المسلمين فقط لا غير..ده التيار الوحيد إللي كان واخد شكل تنظيم فعلًا وله قاعدة شعبية متصل بها بشكل منهجي..وده أمر يرجع لتفرد تجربة الإخوان وإنه تنظيم قديم أوي برضه..فاستعصى التخلص منه على مر كل الإنظمة المتعاقبة..ولكن باقي التيارات التانية عبارة عن أفراد منهم إللي ذوي شعبية ما قلناش حاجة ولكن مفيش دولة بتُقام على مستقلين غير الديموقراطيات المستقرة جدًا وبيبقوا في إطار محدود كمان..يعني يمسكوا منصب معين مثلًا..ممكن يوصل إنه يكون أعلى منصب في الدولة..لكن تشكيل حكومات أو أخذ عدد معتبر من مقاعد البرلمانات ده يلزمه كيانات.

لكن هل في حالتنا دي البديل ده كان قادر يقود المسيرة؟ الإجابة لأ ودي برضه حتبقى القاعدة في أي موقف مشابه ولعدة أسباب..رجوعًا تاني للتجربة المصرية وبشيء من التحليل..حنلاقي إن السبب الأول إن الإخوان ما كانوش جاهزين 100%..أه هم قدروا يستمروا كتنظيم طول الزمن ده..لكن عمليًا الناس دي ما مارستش سياسة..على الأقل..ما مارستش سياسة السلطة..كانت دايمًا في مقاعد المعارضة..وما كانتش عارفة إزاي تقدم خطاب لا ينفر الشعب ولا كانت عارفة إزاي تتفاوض للوصول لتعاون مثمر مع ممثلي التيارات التانية..وعلى ذكر التيارات التانية وده السبب التاني..دول كمان تصوروا إنهم ند لند كده لتنظيم الإخوان..وعلى الأساس ده كانوا بيطالبوا طول الوقت بنصيب في السلطة أكبر كتير من إللي كانوا يستحقوه فعلًا..دول كانوا لا تنظيمات ولا وزن في الشارع..مفيش قاعدة جماهيرية تُذكر..بل إن كثير منهم كانوا مكروهين جدًا من قبل الشارع المصري..طبعًا في ظل غشومية الإخوان في التعامل من ناحية وطمع الأخرين من ناحية تانية..حصلت الاحتقانات والأزمات..ومين بقى واقف بيتفرج وعمال يلعب من وراء الستار بدمية الإعلام الموجه؟ الدولة العميقة..أو خلينا نسمي الأمور بمسياتها..إللي كانوا ماسكين طول الوقت والخيوط فلتت من إيدهم فجأة فعايزين يرجعوها..الجيش..وده كان السبب التالت..ثم ما هو من الأول خالص ووجود تيار واحد وضع..طبيعي ما يرضيش كافة أطياف الشعب..وقد كان..مفيش سنة وكان ساقط نظام الإخوان على يد الشعب نفسه..بحراك ما أقدرش أبدًا أسميه ثورة على الرغم إن قوامه كان أضخم من قوام ثورة 25 يناير..ولكن ميهاش ثورة طول ما كان الإعلام بيوجه طول الوقت وميهاش ثورة ينزل فيها الجيش والشرطة جنبًا إلى جنب بالطبل والزمامير والطيارات الحربية بترسم قوس قزح في السما.

والحقيقة إن ده كان من أغبى التصرفات إللي ممكن يتصرفها شعب في الدنيا..ده حظنا الحلو إن كان فيه بديل على الأقل مطروح على الساحة..أه ما كانش جاهز..بس كان يقدر يمشي الدنيا الأربع سنين الأولانين لحد ما دورة الانتخابات القادمة تحين تكون التيارات التانية قدرت تشكل نفسها بشكل طبيعي في ظل مناخ ديموقراطي يسمحلهم المرة دي بالإتصال بالجماهير دون عراقيل لأول مرة في حياتهم..ومين عارف..كان ممكن جدًا الغلبة تكون لهم في الانتخابات القادمة..بس حنقول أيه؟ غباء البني أدمين..وده السبب الرابع..إن الشعب نفسه بيبقى صفر وعي..وبرضه ده وضع طبيعي لشعب ما مارسش أي سياسة قبل كده..ومن هنا ضاعت الفرصة دي..إلى الأبد الحقيقة..ويا عالم حيجي زيها إمتى..الله يرحمه دكتور عزت أبو عوف..الوحيد إللي كان عنده شيء من الوعي وطلع وقال للناس نصبر على الطريق إللي اخترناه..طريق الديموقراطية والصندوق..أربع سنين وحنعيد تاني..ساعتها بكل شياكة نجيب غيرهم..بس مين يسمع لصوت العقل وقت الهيستريا والجنون؟

الدورة النمطية دي بقى تتاخد وتتبروز وتتحط كده في كتالوج البشرية..هو أصله طريق بيبقى مرسوم لازم حيوصل لنفس النهاية كل مرة..إذن الثورة مش حل.طيب الإصلاح؟

هو الإصلاح مش حل برضه..أصل لما تكون الدولة الديكتاتورية مفتقدة للكفاءة بمكان إنها تفشل في كل القطاعات تقريبًا لدرجة إن الناس بتبتدي تعتقد إن فيه تعمد للتخريب من قبل النظام الحاكم وتبني نظرية المؤامرة بيبقى على أشده وقتها لتفسير الفشل ده كله..ده بيخلي الدولة كمان تحارب أي مبادرات إصلاحية من قبل أفراد أو مؤسسات مستقلة أول ما بيوصلوا لمستوى عالي من النجاح حتى لو كانت المبادرات دي لا تمت للسياسة بصلة..لإن ساعتها الدولة بتعتقد إنهم حيمثلوا خطر عليها بشعبيتهم إللي بتزيد يوم عن يوم وإللي ممكن تخليهم يوزوا عقلهم ويخشوا المعترك السياسي وينافسوا مثلًا والعياذ بالله..فبالتالي..وعند نقطة معينة..بتقف كتير من المشاريع..يعني خلينا نحاول نستعيد الذاكرة ونفتكر كام مبادرة طلعت غير تابعة للدولة للقضاء على الأمية..كان حاجة منهم نجحت؟ لأ..على الرغم من كل الأمكانيات..وغيرها كتير من المبادرات إللي لا يمكن تصنيفها غير كونها مبادرات مجتمعية.

فدي أزمة كتير من دولنا البائسة..إنها ديكتاتوريات قوية..حصينة..وفاشلة تمامًا على كافة الأصعدة..وعليه..لا حينفع تقام ضدها ثورات..ولا حتسمح هى نفسها بإصلاحات..حلها أيه؟ ما هو لو كان لها حل واضح وصريح كده كان زمانه حصل من زمان..عن نفسي؟ مش عارفة الحل أيه.

Comments

Popular posts from this blog

أزمة أفيون الشعوب

أزمة قضايا الرأي العام

أزمة الجدل في وطننا العربي