أزمة وجودية شخصية

أنا من النوع الـperfectionist وأيام الشباب..شباب بقى ما كلنا كنا شباب 😂..كان عندي حلم ساذج كده بتغيير العالم لمكان أفضل..في سبيل ده كنت بتحرك في كل الإتجاهات إللي بتبانلي..في سبيل تحقيق الحلم ده..مثلًا الاشتراك في نشاطات خيرية تبع جمعية رسالة..نشر معلومات وخبرات ممكن تعلم غيري حاجة أنا إتعلمتها وكانت مفيدة ليا..لحد المشاركة في تأسيس حركة سياسية شبابية..حركة شباب 6 إبريل المجيدة 😁 ربنا يمسيهم بالخير بقى واحد واحد..كل الكلام ده كان لنفس الهدف..تحويل العالم لمكان أفضل..وقامت الثورة ومحدش كان مصدق نفسه إن ده كان أمر وارد يحصل..بس أهو حصل..وعيشنا سنة..كان فيها أحداث صعبة طبعًا أه..لكن برضه مارسنا فيها حاجات كانت أول وأخر مرة نمارسها..الحرية..الديموقراطية..إننا نعبر عن رأينا من خلال صندوق الانتخابات..إننا أخيرًا..بنختار..بنختار بجد..بنقرر مصيرنا..ودي كانت المفروض البداية لعالم أفضل..لكن للأسف وزي ما كلنا عارفين..انتهى الحلم..لحد ما جات اللحظة الفارقة إللي قلبت الأمور رأسًا على عقب بالنسبالي..الحياة قبل اللحظة دي غير بعدها خالص..لحظة فض رابعة.

والحقيقة الحدث نفسه ما كانش الأكثر فجعًا بطبيعة الحال..أولًا وأخيرًا دي مش الحرب العالمية التانية..أه دي كانت أمر جلل..فمش الحدث نفسه إللي هزني الحقيقة..ولكن الجنون إللي كان حاصل وقتها..the madness of crowds..كان شيء مخيف..بشع..نص الشعب انقلب على النص التاني..ناس بتطالب أحدهم لابس بدلة عسكرية وواقف بسلاح إنه يدهس البعض الأخر ويصنع فيهم أحكامًا..أمر يصيبك بالذهول ويبقى لسان حالك: ليه؟ ليه؟ كل الكره ده كان ليه؟ كل التشفي في الأذى ده بل والتهلل له علنية كان ليه؟ بس لاختلاف إيدولوجيات؟ أولًا وأخيرًا دي ناس ما قتلتش لحد قتيل..فيبقى ليه؟ والمحبط إن كان لازم يكون من أسرتك حد من المبتهجين دول..أقرب الناس لك تكتشف إنك ما كنتش تعرفهم على الإطلاق طول الوقت ولا كنت تعرف أيه إللي كان ممكن يطلع منهم..وضع أخل بتوازني تمامًا وقتها..طبعًا عشان خيال القارئ ما يروحش لبعيد..ما حصلتليش حالة نفسية يعني واكتئاب وميول انتحارية والأجواء دي..أنا أصلًا بشوف الطب النفسي ده إنه pseudoscience بس ده موضوع نفردله مقال مخصوص بعدين..أنا أقصد يعني إن الأوضاع في الوقت ده خلتني أعيد كل حساباتي من تاني وتغيير نظرتي للحياة من أقصى اليمين..لأقصى اليسار.

في الوقت ده فقدت كل إيمان بالبشر..والحقيقة من الصعب التقرير بأنهي أشد وطأة على النفس..الكفر بالإله ولا الكفر بالبشر..فقدان إيمانك بالبشر يعني نسيان حلم إن هذا العالم سيكون أفضل غدًا..يعني إنت عايش من غير أمل..من غير معنى..فين متعة الحياة لما تفقد المعنى؟ في الوقت ده كمان زادت تأملاتي..فابتديت أتأمل أفعال الأطفال مثلًا..قد أيه أنانية وممكن تكون شريرة كمان..ومن هنا توصلت إن فطرة الإنسان مش هى الخير أبدًا..ما الأطفال دول مولودين على الفطرة..كمان من السذاجة التعويل على فضيلة البشر وحدها..بل لا بد من منظومة قانونية تجبر الجميع على الانصياع لفعل الصواب لتجنب العقاب..ده غير طبعًا تأملات المشاهدات اليومية من خلال نشرات الأخبار على انعدام العدالة في هذا العالم وإزاي الكيانات الكبرى..بل والدول الغنية..غناها ده قائم على امتصاص دماء الأضعف في هذا العالم..وإزاي إن كتير من الشعارات مدعاة وإن الغالب على الأمر ازدواج المعايير في كل شيء تقريبًا.

ولإن عندي اهتمام قديم بالفلسفة..فأراء بعض الفلاسفة زي شوبنهاور مثلًا ابتدت تثير فضولي أكتر..الرجل يقول بإن إرادة الحياة متوحشة..بتجبر كل الكائنات إنها تقاوم وتقاوم للبقاء..غريزة البقاء هى أقوى الغرائز..فنبقى عشان يستمر الألم..ما هو طول ما إنت عايش ففيه ألم وعذاب..غصب عنك..مثلًا هل الحيوانات المتوحشة دي تقدر توقف صيد وأكل فرائسها على الرغم من عذاباتهم لحظات الموت ولفظ الأنفاس الأخيرة؟ حتى لو أرادت..ما تقدرش..كان الدحيح عمل حلقة باين ولا حلقتين بيتكلم فيهم عن سذاجة المدرسة الرومانسية إللي طلعت مفهوم زي the mother nature وإللي لا يمت للواقع بصلة..وضرب أمثلة على توحش الطبيعة إللي هى في حقيقة الأمر the monster nature..منها تصرفات النباتات نفسها..تخيل النباتات إللي تبدو في غاية السكون والحكمة الفطرية..بتأتي بتصرفات وحشية في سبيل البقاء..للي يحب يتفرج على الحلقة فده رابط لها..فيعني..الموضوع مش قاصر على الإنسان بس..واضح إن الشرور تعم الكوكب في نفوس كل كائناته مهما بلغ صغرها.

استمر الأمر على هذا النحو القاتم حتى تعرفت على علم بيقدم منظور مختلف تمامًا..التعرف تم من خلال قناتين عراقيتين للصدفة..الأولانية اسمها حيدرانت ودي معنية بالفلسفة في المقام الأول ولكنهم كانوا عاملين حلقة عن تاريخ النساء..كانت حلقة ممتازة الصراحة..بس ما كانش لها علاقة بالفلسفة..كانت لها علاقة بالعلم الأخر ده وقدمته ليا..برضه للي يحب يطلع على الحلقة الممتعة دي فده رابط لها..القناة التانية قناة الدكتور خزعل الماجدي..وهو متخصص معروف في علم الأديان وده علم بيتشابك مع العلم الأخر محل الحديث.

الأنثروبولوجي..وإللي بيقر معلومة مبدئية تقلبلي كل الموازين مرة أخرى..عمر الإنسان على هذا الكوكب 2.7 مليون سنة..فجر تاريخ الحضارة بادئ من 10 ألاف سنة فقط..النسبة ما بين الرقمين مدهشة..ده مالوش غير معنى واحد..هو إننا لسة كائنات طالعة من الكهف..لسة كائنات بدائية تمامًا..إحنا لسة في الأول خالص..لدرجة إني بقيت بستغرب من إللي بيقولوا إن يوم القيامة قرب وإن الكوكب جاب أخره..إللي هو إحنا لحقنا؟ لسة بدري..بدري أوي..ده يبقى معناه إن كل إللي وصلناله من نظريات علمية وتكنولوجيا هى مجرد إرهاصات بسيطة جدًا..ومع ذلك شوف حققنا من خلالهم أيه..عيب الفلسفة أو يمكن الفلاسفة إنهم بيبنوا تصورات على اللحظة الآنية..مش بيشوفوا إحنا كنا جايين من فين..إحنا كنا بعاد أوي يا لطيف 😁على صعيد كل حاجة إحنا بقينا أحسن من 10 ألاف سنة فاتت..ولو مدينا الخط على استقامته..فالمنطق بيقول إننا بنتحرك في إتجاه وضع أفضل..إن شاء الله يعني..10 ألاف سنة قصاد 2.7 مليون سنة..النسبة بين الرقمين بتدي إذن شرعي جدًا للخيال إنه يفتح بقى للممكن إنجازه في الغد البعيد..النهاردة إحنا كائنات بتطاردها أشباح العيوب الخلقية والأمراض الجسدية والعقلية وتشوهات الحروب والحوادث والشيخوخة..ده كله ممكن يختفي في الغد البعيد..النهاردة إحنا كائنات ضعيفة غرائزها الدنيا ساعات بتذهب عقلها وبتفقدها السيطرة على نفسها عشان تبقى زيها زي أي حيوان في البرية..بس ممكن جدًا نتحول لكائن أرقى بكتير منزوع الغرائز الدنيا في الغد البعيد..النهاردة الحيوانات والنباتات وغيرها من الكائنات بتأذي غيرها عشان تقدر هى تعيش..بس الإنسان هو سيد هذا الكون وممكن يوصل لطريقة لبرمجة هذه الحيوانات نحو تصرفات أرقى في الغد البعيد..خيال مالوش حدود بيقول إن إرادة الحياة ممكن تروض وما يصحبها من ألام وعذاب ممكن يختفوا.

فأه..ضحكوا علينا لما قالولنا إن البؤس أبدي والعذاب سرمدي..حقيقة الأمر..إننا بس لسة في الأول..أدي كل الحكاية.

بالمناسبة لسة عند كفري بفضيلة البشر وبإنها كائنات فطرتها خيرة..ولكن على الأقل أصبحت مؤمنة بكافئتها..الكفاءة إللي مكنتها من النقطة إللي وصلنالها النهاردة..وتقدر تخليها تكمل لغد أفضل..يعني رجع الأمل واستردت الحياة معناها بالنسبالي.
x

Comments

Popular posts from this blog

أزمة أفيون الشعوب

أزمة قضايا الرأي العام

أزمة الجدل في وطننا العربي